فصل: قال الخازن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال السمرقندي:

{وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خلائف الأرض} يعني: سكان الأرض من بعد إهلاك الأمم الخالية، لأن النبي عليه السلام خاتم النبيين، وأمته قد خلفوا جميع الأمم.
ويقال: خلائف يعني: يخلف بعضكم بعضًا {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات} أي فضل بعضكم على بعض في المال والرزق {لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتاكم} يعني: ليبتلي الموسر بالغِنَى ويطلب منه الشكر، ويبتلي المُعْسِر بالفاقة ويطلب منه الصبر.
ويقال: {لِيَبْلُوَكُمْ} يعني: بعضكم ببعض كما قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ في الاسواق وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا} [الفرقان: 20].
ثم خوّفه فقال: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب} كأنه جاء لأن ما هو آتٍ فهو قريب، كما قال: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ واحدة كَلَمْحٍ بالبصر} [القمر: 50] {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} يعني: لمن أطاعه في فاقة أو غِنى.
ويقال: {سَرِيعُ العقاب} لمن لم يشكر نعمته وكان مصرًا على ذلك.
{وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن رجع وتاب {رَّحِيمٌ} بعد التوبة.
ويقال: {سَرِيعُ العقاب} لمن لم يحفظ نفسه فيما أعطاه من فضل الله وترك حق الله في ذلك {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ} لمن تاب {رَّحِيمٌ} بعد التوبة.
قال الفقيه قال: حدثنا أبو الحسن بن حمدان بإسناده عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الأَنْعَامِ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَشَيَّعَهَا سَبْعُونَ أَلَف مَلَكٍ لَهُمْ زَجَلٌ بالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ» قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَرَأ سُورَةَ الأنْعَامِ صَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ أُولئكَ السَّبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ بِعَدَدِ كُلِّ آيَةٍ في سُورَةِ الأنْعَامِ يَوْمًا وَلَيْلَةً». اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ} فيه أربعة أوجه:
أحدها: أنه جعلهم خلفًا من الجان سكانًا للأرض، قاله ابن عباس.
والثاني: أن أهل كل عصر يخلف أهل العصر الذي قبله، كلما مضى أهل عصر خلفه أهل عصر بعده على انتظام، حتى تقوم الساعة على العصر الأخير فلا يخلق عصر، فصارت هذه الأمة خلفًا للأمم الماضية.
والثالث: جعل بعضهم خليفة لبعض ليتآلفوا بالتعاون.
والرابع: لأنهم آخر الأمم وكانوا خلفًا لمن تقدمهم، قال الشماخ:
تصيبكم وتخطئني المنايا ** وأخلق في ربوع عن ربوع

{وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} يعني ما خالف بينهم في الغنى بالمال وشرف الآباء وقوة الأجسام، وهذا، وإن ابتدأه تفضلًا من غير جزاء ولا استحقاق، لحكمة منه تضمنت ترغيبًا في الأعلى وترهيبًا من الأدنى، لتدم له الرغبة والرهبة.
وقد نبه على ذلك بقوله: {لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءَاتَاكُمْ} يعني من الغنى والقوة وفيه وجهان:
أحدهما: ليختبركم بالاعتراف.
{إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ} فإن قيل: فكيف جعله سريعًا وهو في الآخرة؟ فعنه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن كل آت قريب، كقوله: {وَمَا أَمْرُ الْسَّاعِةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل: 77].
والثاني: إن ربك سريع العقاب في الدنيا لمن استحق منه تعجيل العقاب فيها.
والثالث: أنه إذا شاء عاقب، فصار عقابه سريعًا لأنه يقترن بمشيئته، وهذ قول ابن بحر.
{وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} جمعًا منه بين ما يقتضي الرهبة من سرعة العقاب وبين ما يقتضي الرغبة من الغفران والرحمة، لأن الجمع بين الرغبة والرهبة أبلغ في الانقياد إلى الطاعة والإقلاع عن المعصية، والله عز وجل أعلم. اهـ.

.قال ابن عطية:

و{خلائف} جمع خليفة أي يخلف بعضكم بعضًا.
قال القاضي أبو محمد: وهذا يتصور في جميع الأمم وسائر أصناف الناس، لأن من أتى خليفة لمن مضى ولكنه يحسن في أمة محمد عليه السلام أن يسمى أهلها بجملتهم خلائف للأمم، وليس لهم من يخلفهم إذ هم آخر الأمم وعليهم قيام الساعة.
وروى الحسن بن أبي الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله»، ويروى أنتم آخرها وأكرمها على الله: وقوله: {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} لفظ عام في المال والقوة والجاه وجودة النفوس والأذهان وغير ذلك، وكل ذلك إنما هو ليختبر الله تعالى الخلق فيرى المحسن من المسيء، ولما أخبر عز وجل بهذا ففسح للناس ميدان العمل وحضهم على الاستباق إلى الخير توعّد ووعد تخويفًا منه وترجية، فقال: {إن ربك سريع العقاب} وسرعة عقابه إما بأخذاته في الدنيا، وإما بعقاب الآخرة، وحسن أن يوصف عقاب الآخرة ب {سريع} لما كان متحققًا مضمون الإتيان والوقوع، فكل آت يحكم عليه بالقرب ويوصف به {وإنه لغفور رحيم} ترجية لمن أذنب وأراد التوبة، وهذا في كتاب الله كثير اقتران الوعيد بالوعد لطفًا من الله تعالى بعباده. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض}
قال أبو عبيدة: الخلائف: جمع خليفة.
قال الشماخ:
تُصيْبُهُمُ وتُخْطُئُني المَنايا ** وأخْلُفُ في رُبُوعٍ عَنْ رُبوع

وللمفسرين فيمن خلفوه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم خلفوا الجن الذين كانوا سكان الأرض، قاله ابن عباس.
والثاني: أن بعضهم يخلف بعضًا؛ قاله ابن قتيبة.
والثالث: أن أمة محمد خلفت سائر الأمم، ذكره الزجاج.
قوله تعالى: {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} أي: في الرزق، والعلم، والشرف، والقوة، وغير ذلك {ليبلُوَكم} أي: ليختبركم، فيظهر منكم ما يكون عليه الثواب والعقاب.
قوله تعالى: {إن ربك سريع العقاب} فيه قولان:
أحدهما: أنه سماه سريعًا، لأنه آتٍ، وكل آتٍ قريبٌ.
والثاني: أنه إذا شاء العقوبة أسرع عقابه. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرض} {خلائف} جمع خليفة، ككرائم جمع كريمة.
وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة.
أي جعلكم خَلَفًا للأمم الماضية والقرون السالفة.
قال الشمّاخ:
تصيبُهُم وتخطِئني المنايا ** وأخلُف في رُبوع عن رُبوعِ

{وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ} في الخلق والرزق والقوّة والبَسْطة والفضل والعلم.
{دَرَجَاتٍ} نصب بإسقاط الخافض، أي إلى درجات.
{لِّيَبْلُوَكُمْ} نصب بلام كَيْ.
والابتلاء الاختبار؛ أي ليظهر منكم ما يكون غايته الثواب والعقاب.
ولم يزل بعلمه غنِيًّا؛ فابتلى الموسِر بالغنى وطلب منه الشكر، وابتلى المعسر بالفقر وطلب منه الصبر.
ويقال: {ليبلوكم} أي بعضكم ببعض.
كما قال: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} [الفرقان: 20] على ما يأتي بيانه.
ثم خوّفهم فقال: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب} لمن عصاه.
{وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن أطاعه.
وقال: {سَرِيعُ الْعِقَابِ} مع وصفه سبحانه بالإمهال، ومع أنّ عقاب النار في الآخرة؛ لأن كل آت قريب؛ فهو سريع على هذا.
كما قال تعالى: {وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} [النحل: 77].
وقال: {يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا} [المعارج: 6 و7].
ويكون أيضًا سريع العقاب لمن استحقه في دار الدنيا؛ فيكون تحذيرًا لمُواقِع الخطيئة على هذه الجهة. والله أعلم.
تمت سورة الأنعام بحمد الله تعالى وصلواته على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. اهـ.

.قال الخازن:

قوله تعالى: {وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} يعني: والله الذي جعلكم يا أمة محمد خلائف في الأرض فإن الله أهلك من كان قبلكم من الأمم الخالية واستخلفكم فجعلكم خلائف منهم في الأرض تخلفونهم فيها وتعمرونها بعدهم وذلك لأن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الانبياء وهو آخرهم وأمته آخر الآمم {ورفع بعضكم فوق بعض درجات} يعني أنه تعالى خالف بين أحوال عباده فجعل بعضهم فوق بعض في الخلق والرزق والشرف والعقل والقوة والفضل فجعل منهم الحسن والقبيح والغني والفقير والشريف والوضيع والعالم والجاهل والقوي والضعيف وهذا التفاوت بين الخلق في الدرجات ليس لأجل العجز أو الجهل أو البخل فإن الله سبحانه وتعالى منزه عن صفاته النقص وإنما هو لأجل الابتلاء والامتحان وهو قوله تعالى: {ليبلوكم في ما آتاكم} يعني يعاملكم معاملة المبتلي والمختبر وهو أعلم بأحوال عباده.
والمعنى: يبتلي الغني بغناه والفقير بفقره والشريف بشرفه والوضيع بدناءته والعبد والحر وغيرهم من جميع أصناف خلقه ليظهر منكم ما يكون عليه الثواب والعقاب، لأن العبد إما أن يكون مقصرًا فيما كلف به وإما أن يكون موفيًا ما أمره به فإن كان مقصرًا كان نصيبه التخويف والترغيب وهو قوله تعالى: {إن ربك سريع العقاب} يعني لأعدائه بإهلاكهم في الدنيا وإنما وصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت فهو قريب إن كان العبد موفيًا حقوق الله تعالى فيما أمره به أو نهاه عنه كان نصيبه الترغيب والتشريف والتكريم وهو قوله تعالى: {وإنه لغفور} يعني لذنوب أوليائه وأهل طاعته {رحيم} يعني بجميع خلقه والله أعلم بمراده وأسرار كتابه. اهـ.

.قال أبو حيان:

{وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم}.
أذكرهم تعالى بنعمته عليهم إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم المبعث وهو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فأمّته خلفت سائر الأمم ولا يجيء بعدها أمّة تخلفها إذ عليهم تقوم الساعة، وقال الحسن: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «توفون سبعين أمّة أنتم خيرها وأكرمها على الله»، وروى: «أنتم آخرها وأكرمها على الله» ورفع الدّرجات هو بالشرف في المراتب الدنيوية والعلم وسعة الرزق وليبلوكم متعلق بقوله ورفع فيما آتاكم من ذلك جاهًا ومالًا وعلمًا وكيف تكونون في ذلك، وقيل: الخطاب لبني آدم خلفوا في الأرض عن الجن أو عن الملائكة، وقيل: يخلف بعضهم بعضًا، وقيل: خلفاء الأرض تملكونها وتتصرفون فيها.
{إنّ ربّك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} لما كان الابتلاء يظهر به المسيء والمحسن والطائع والعاصي ذكر هذين الوصفين وختم بهما ولما كان الغالب على فواصل الآي قبلها هو التهديد بدأ بقوله سريع العقاب يعني لمن كفر ما أعطاه الله تعالى وسرعة عقابه إن كان في الدّنيا فالسّرعة ظاهرة، وإن كان في الآخرة فوصف بالسّرعة لتحققه إذ كل ما هو آت آت ولما كانت جهة الرحمة أرجى أكد ذلك بدخول اللام في الخبر ويكون الوصفين بنيا بناءً مبالغة ولم يأتِ في جهة العقاب بوصفه بذلك فلم يأتِ إنّ ربك معاقب وسريع العقاب من باب الصفة المشبهة. اهـ.

.قال الألوسي:

{وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خلائف الأرض} أي يخلف بعضكم بعضًا كلما مضى قرن جاء قرن حتى تقوم الساعة ولا يكون ذلك إلا من عالم مدبر، وإلى هذا ذهب الحسن، أو جعلكم خلفاء الله تعالى في أرضه تتصرفون فيها كما قيل والخطاب عليهما عام، وقيل: الخطاب لهذه الأمة، وروي ذلك عن السدي أي جعلكم خلفاء الأمم السالفة {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ} في الفضل والغنى كما روي عن مقاتل {درجات} كثيرة متفاوتة {لّيَبْلُوَكُمْ في مَا ءاتاكم} أي ليعاملكم معاملة من يبتليكم لينظر ماذا تعملون مما يرضيه وما لا يرضيه.
{إِنَّ رَبَّكَ} تجريد الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع إضافة اسم الرب إليه عليه الصلاة والسلام لإبراز مزيد اللطف به صلى الله عليه وسلم {سَرِيعُ العقاب} أي عقابه سبحانه الأخروي سريع الإتيان لمن لم يراع حقوق ما آتاه لأن كل آت قريب أو سريع التمام عند إرادته لتعاليه سبحانه عن استعمال المبادئ والآلات.
وجوز أن يراد بالعقاب عقاب الدنيا كالذي يعقب التقصير من البعد عن الفطرة وقساوة القلب وغشاوة الأبصار وصم الأسماع ونحو ذلك {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} لمن راعى حقوق ما آتاه الله تعالى كما ينبغي.
وفي جعل خبر هذه الجملة هذين الوصفين الواردين على بناء المبالغة مع التأكيد باللام مع جعل خبر الأولى صفة جارية على غير من هي له ما لا يخفى من التنبيه على أنه سبحانه غفور رحيم بالذات لا تتوقف مغفرته ورحمته على شيء كما يشير إليه قوله سبحانه في الحديث القدسي: «سبقت رحمتي غضبي» مبالغ في ذلك فاعل للعقوبة بالعرض وبعد صدور ذنب من العبد يستحق به ذلك، وما ألطف افتتاح هذه السورة بالحمد وختمها بالمغفرة والرحمة نسأل الله تعالى أن يجعل لنا الحظ الأوفر منهما إنه ولي الأنعام وله الحمد في كل ابتداء وختام. اهـ.

.قال القاسمي:

{وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ} جمع خليفة. أي: يخلف بعضكم بعضًا فيها، فتعمرونها خلفًا بعد سلف، للتصرف بوجوه مختلفة: {وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} أي: فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوئ والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك. كقوله تعالى: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزخرف 32]، وقوله سبحانه: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء: 21]، وقوله تعالى: {لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ} أي: ليختبركم في الذي أنعم به عليكم، أي: امتحنكم، ليختبر الغنيّ في غناه ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره. وفي صحيح مسلم، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الدنيا حلوة خضرة. وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون. فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فغن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء. أفاده ابن كثير.
ثم رهب تعالى من معصيته ورغّب في طاعته بقوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ} أي: لمن عصاه وخالف رسله: {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي: لمن والاه واتبع رسله.
لطائف:
الأولى: قال السيوطيّ في الإكليل. استدل بقوله تعالى: {جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ} مَنْ أجاز أن يقال للإمام: خليفة الله. انتهى.
أي: بناء على وجهٍ في الآية. وهو أن المعنى: جعلكم خلائف الله في الأرض تتصرفون فيها. ذكره المفسرون. وآثرتُ، قبلُ، غير هذا الوجه لأنه أدق وأظهر، والله أعلم.
الثانية: قال القاضي: وصف العقاب ولم يضفه إلى نفسه، ووصف ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف بالرحمة، وأتى ببناء المبالغة واللام المبالغة واللام المؤكدة- تنبيهًا على أنه سبحانه وتعالى غفور بالذات، معاقب بالعرض، كثير الرحمة مبالغ فيها، قليل العقوبة مسامح فيها. انتهى.
الثالثة: قال ابن كثير: إن الحق تعالى، كثيرًا ما يقرن في القرآن بين هاتين الصفتين كقوله: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [الرعد: 6]، وقوله: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ} [الحجر: 49- 50]. إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب.
فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها. وتارة بهما. لينجع في كلّ بحسبه. جعلنا الله ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، إنه قريب مجيب.
قد تم بحمده تعالى الكلام على محاسن تأويل سورة الأنعام. وذلك ضحوة الأربعاء في 28 ربيع الأول. في شباك السدّة اليمنى العليا من جامع السنانية عام 1321. وكان تخلّل مدة شهر ونصف، وقفت عن كتابة شيء من هذه السورة فيها، وذلك من آخر البحث في قوله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ} الآية، لعارض رحلتي إلى بيت المقدس في 28 محرم من العام المذكور. وبعد العود إلى الوطن في 8 ربيع الأول بدأت من قوله تعالى: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ} الآية. في 20 ربيع الأول، وتمت السورة في التاريخ المتقدم، وَالْحَمدُ للهِ الَّذي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدَانَا اللهُ. بقلم جامعه جمال الدين القاسميّ. اهـ.